وقال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس ، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت.
وقد مضى هذا المعنى في سورة"الأعراف".
وخرَّج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أعمار أمّتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك".
قوله تعالى: {وَجَاءكُمُ النذير} وقرئ"وجاءتكم النُّذرُ"واختلف فيه ؛ فقيل القرآن.
وقيل الرسول ؛ قاله زيد بن علي وابن زيد.
وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفرّاء والطبري: هو الشيب.
وقيل: النذيرُ الحُمَّى.
وقيل: موت الأهل والأقارب.
وقيل: كمال العقل.
والنذير بمعنى الإنذار.
قلت: فالشيب والحُمَّى وموتُ الأهل كلُّه إنذار بالموت ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"الحُمَّى رائدُ الموت"قال الأزهري: معناه أن الحمى رسول الموت ، أي كأنها تُشعر بقدومه وتُنْذرُ بمجيئه.
والشيب نذير أيضاً ؛ لأنه يأتي في سنّ الاكتهال ، وهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبَا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب.
قال:
رأيت الشيب من نُذُرِ المنايا ...
لصاحبه وحسْبُك مِن نذير
وقال آخر:
فقلت لها المشيبُ نذيرُ عمري ...
ولست مسودا وجه النذير
وأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان ، وحين وزمان.
قال:
وأراك تحملهم ولستَ تردّهم ...
فكأنني بك قد حُمِلت فلم تُردَّ
وقال آخر:
الموت في كل حين ينشر الكَفَنَا ...
ونحن في غفلة عمّا يُرادُ بنا
وأما كمال العقل فبِه تُعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات ؛ فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه ؛ فهو نذير.