يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ يَسْتَغِيثُونَ، وَيَضِجُّونَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَخْرَجْنَا نَعْمَلُ صَالِحًا: أَيْ نَعْمَلُ بِطَاعَتِكَ {غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} قَبْلَ مِنْ مَعَاصِيكَ وَقَوْلُهُ: {يَصْطَرِخُونَ} يَفْتَعِلُونَ مِنَ الصُّرَاخِ، حُوِّلَتْ تَاؤُهَا طَاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِهَا مِنَ الصَّادِ لَمَّا ثَقُلَتْ.
وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَنَةً
عَنْ مَسْرُوقٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ» .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ سِتُّونَ سَنَةً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمَّرَهُ اللَّهُ سِتِّينَ سُنَّةً فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ»
وَأَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ إِذْ كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا فِي إِسْنَادِهِ بَعْضُ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي نَقْلِهِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ سُنَّةً، لِأَنَّ فِي الْأَرْبَعِينَ يَتَنَاهَى عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَفَهْمُهُ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ مُنْتَقِصٌ عَنْ كَمَالِهِ فِي حَالِ الْأَرْبَعِينَ.
وَقَوْلُهُ: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّذِيرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"النَّذِيرُ: النَّبِيُّ وَقَرَأَ": {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذِرِ الْأُولَى}
وَقِيلَ: عَنَى بِهِ الشَّيْبَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ السِّنِينَ، مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ، مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَالْعُقُولِ، وَاتَّعَظَ مِنْهُمْ مَنِ اتَّعَظَ، وَتَابَ مَنْ تَابَ، وَجَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ مُنْذِرٌ يُنْذِرُكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَلَمْ تَتَذَكَّرُوا مَوَاعِظَ اللَّهِ، وَلَمْ تَقْبَلُوا مِنْ نَذِيرِ اللَّهِ الَّذِي جَاءَكُمْ مَا أَتَاكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) }