ثم يعرض له العمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف ، وأما الأحياء والأموات فيهما وإن كانا كالأعمى والبصير من حيث أن الجسم الواحد قد يكون حياً ثم يعرض له الموت لكن المنافاة بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير فإنهما قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت كيف والميت مخالف الحي في الحقيقة على ما تبين في الحكمة الإلهية ، وقيل لم تكرر قبل وكررت بعد لأن المخاطب في أول الكلام لا يقصر في فهم المراد ، وقيل كررت فيما عدا الأخير لأنه لو قيل وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات والنور مثلاً لتوهم نفي الاستواء بين مجموع الأعمى والبصير ومجموع الظلمات والنور ، وفي الأخير للاعتناء وإدخال {لا} على المتقابلين لتذكير نفي الاستواء ، وقدم الأعمى على البصير مع أن البصير أشرف لأنه إشارة إلى الكافر وهو موجود قبل البعثة والدعوة إلى الإيمان ، ولنحو هذا قدم الظلمات على النور فإن الباطل كان موجوداً فدمغه الحق ببعثته عليه الصلاة والسلام ، ولم يقدم الحرور على الظل ليكون على طرز ما سبق من تقديم غير الأشرف بل قدم الظل رعاية لمناسبته للعمى والظلمة من وجه أو لسبق الرحمة مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة.
وقدم الأحياء على الأموات ولم يعكس الأمر ليوافق الأولين في تقديم غير الأشرف لأن الأحياء إشارة إلى المؤمنين بعد الدعوة والأموات إشارة إلى المصرين على الكفر بعدها ولذا قيل بعد {إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاء} الخ ووجود المصرين بوصف الأصرار بعد وجود المؤمنين ، وقيل قدم ما قدم فيما عدا الأخير لأنه عدم وله مرتبة السبق وفي الأخير لأن المراد بالأموات.