قال القاضي أبو محمد: وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية ، وكذلك كتاب الله كله ، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.
وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19)
مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار ، وقوله {ولا النور} ودخول {لا} فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال {ولا الظلمات} والنور ، {ولا النور} ولا الظلمات ، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه ، و {الحرور} شدة حر الشمس ، وقال رؤبة بن العجاج {الحرور} بالليل والسموم بالنهار ، وليس كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار و {الحرور} يقال في حر الليل وفي حر النهار ، وتأول قوم {الظل} في هذه الآية الجنة ، و {الحرور} جهنم ، وشبه المؤمنين ب {الأحياء} والكفرة ب {الأموات} من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه ، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله {إن الله يسمع من يشاء} ، وقوله {وما أنت بمسمع من في القبور} تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع ، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك ، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم ، وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين.