والشاهد الذي نريده هنا أن يوسف النجار لما لاحظ على مريم علامات الحمل وهو يعلم مَنْ هي مريم ، وأنها لم تفارق المحراب طوال عمرها ، فلم يرِدْ على ذِهْنه المعنى الثاني ، ويريد أن يستفهم عَمَّا يراه ، فسألها بأدب: يا مريم ، أتوجد شجرة بدون بذرة؟ فقالت وقد لقَّنها الحق سبحانه: نعم ، الشجرة التي أنبتت أول بذرة .
إذن: الحق سبحانه يمتنُّ علينا بالشيء ، ثم يُذكِّرنا بقدرته تعالى على سَلْبه ، وعلى نقيضه حتى لا نغترَّ به ، ليس في مسألة الموت والحياة فحسب ، إنما في الزرع وفي الماء وفي النار ، واقرأ قوله تعالى:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون} [الواقعة: 58 - 72] .
ونلحظ في الأداء القرآني في هذه الآيات الدقة في استخدام لام التوكيد في {لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً ...} [الواقعة: 65] في الحديث عن الزرع ؛ لأن للإنسان دوراً فيه ، حيث يحرث ويغرس ويسقي ، وربما ظَنَّ لنفسه قدرة عليه .