فيقال للمصحف هو كلام الله بالتحقيق ولا يقال لأسفار العهدين كلام الله إلا على التغليب إذ لم يدع ذلك المرسلان بكتابي العهد.
وقد تحداهم القرآن في هذه الآية بما يشتمل عليه القرآن من الهدى ببلاغة نظمه.
وهذا دليل على أن مما يشتمل عليه من العلم والحقائق هو من طرق إعجازه كما قدمناه في المقدمة العاشرة.
فمعنى {فإن لم يستجيبوا لك} إن لم يستجيبوا لدعوتك ، أي إلى الدين بعد قيام الحجة عليهم بهذا التحدي ، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما هو إلا اتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم.
ويجوز أن يراد بعدم الاستجابة عدم الإتيان بكتاب أهدى من القرآن لأن فعل الاستحابة يقتضي دعاء ولا دعاء في قوله {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} بل هو تعجيز ، فالتقدير: فإن عجزوا ولم يستجيبوا لدعوتك بعد العجز فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ، أي لا غير.
واعلم أن فعل الاستجابة بزيادة السين والتاء يتعدى إلى الدعاء بنفسه ويتعدى إلى الداعي باللام ، وحينئذ يحذف لفظ الدعاء غالباً فقلما قيل: استجاب الله له دعاءه ، بل يقتصر على: استجاب الله له ، فإذا قالوا: دعاه فاستجابه كان المعنى فاستجاب دعاءه.
وهذا كقوله {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} في سورة [هود: 14] .
و {أنما} المفتوحة الهمزة تفيد الحصر مثل (إنما) المكسورة الهمزة لأن المفتوحة الهمزة فرع عن المكسورتها لفظاً ومعنى فلا محيص من إفادتها مفادها ، فالتقدير فاعلم أنهم ما يتبعون إلا أهواءهم.
وجيء بحرف (إن) الغالب في الشرط المشكوك على طريقة التهكم أو لأنها الحرف الأصلي.
وإقحام فعل {فاعلم} للاهتمام بالخبر الذي بعده كما تقدم في قوله تعالى {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} في سورة [الأنفال: 24] .