ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ ...} .
أهل مدين هم قوم شعيب عليه السلام ، وكان لهم شُغُل بالقراءة ، لذلك قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ...} [القصص: 45] أي: مقيماً {في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...} [القصص: 45] أي: تلاوة المتعلم كما يتلو التلميذ على أستاذه ليُصحِّح له {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص: 45] أي: أن الرسالات كلها منا: مَنْ كان يقرأ ، ومن كان أمياً .
قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا ...} [القصص: 46] أي: موسى عليه السلام {ولكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ...} [القصص: 46] أي: أنك يا محمد ما شهدت هذه الأحداث ، إنما جاءتْك بالفضل من الله {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46] يتذكَّرون ما غفلوا عنه من الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها .
وكلمة (وما كنت) في مواضع عدة في القرآن تدل على أن رسول الله جاء بأخبار لم يقرأها في كتاب ، ولم يسمعها من مُعلِّم ؛ لأنه لا يقرأ ، ولم يُعرف عنه أنه جلس إلى مُعلِّم ، وأهل الكتاب هم الذين يعرفون صدْق هذه الأخبار ؛ لأنها ذُكِرت في كتبهم ، لذلك قال القرآن عنهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ . .} [الأنعام: 20] .
ويقول سبحانه: {إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى} [الأعلى: 18 - 19] .