ومن علامات النبوة أن يخرق الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم حُجُب الغيب ، والشيء يغيب عنك إما لأنه ماضٍ ، ولا وسيلةَ لك إليه ، وهذا هو حجاب الزمن الماضي ، وهو لا يُعرف إلا بواسطة القراءة في كتاب أو التعلم من مُعلِّم ، وقد نفى الله تعالى هذا بالنسبة لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإما أن يكون الحجابُ الزمن المستقبل والأحداث التي لم تأْتِ بعْد ، ولا يستطيع أن يخبرك بها إلا الذي يعلمها أزَلاً .
لذلك يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] فكان النجم من القرآن ينزل على رسول الله فلما يُسرى عنه يُمليه على أصحابه ، كل آية في مكانها وترتيبها من السورة ، ثم يقرؤها بعد ذلك كما أُنزلت ، وكما أملاها .
وسبق أنْ قُلْنا: تستطيع أن تتحدَّى أيَّ شخص بأن يتكلم مثلاً لمدة ثُلث الساعة ، ثم يعيد ما قال ، ولن يستطيع ، أما المسألة مع سيدنا رسول الله فتختلف ؛ لأنها من الله تعالى {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] .
وقلنا: إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول نزول القرآن عليه كان يُردد الآية خلف جبريل عليه السلام مخافة أن ينساها ، فإنْ قال جبريل: {والضحى} [الضحى: 1] قال رسول الله {والضحى} [الضحى: 1] وهكذا ، فأنزل الله عليه: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} [القيامة: 16 - 18] .
وقال سبحانه: {وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ...} [طه: 114] .
أي: أرح نفسك يا محمد ، ولا تخْشَ النسيان ، وانتظر حتى تنتهي الآيات ، وسوف تعيدها كما هي ، لا تَنْسى منها حرفاً واحداً .