والتذكر: هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم وهي تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمة من قتل النفوس ، وارتزاق بالغارات وبالمقامرة ، واختلاط الأنساب ، وانتهاك الأعراض.
فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم.
وتقدم آنفاً نظير قوله {لعلهم يتذكرون} .
وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
هذا متصل بقوله {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} [القصص: 46] ، لأن الإنذار يكون بين يدي عذاب.
و {لولا} الأولى حرف امتناع لوجود ، أي انتفاء جوابها لأجل وجود شرطها وهو حرف يلزم الابتداء فالواقع بعده مبتدأ والخبر عن المبتدأ الواقع بعد {لولا} واجب الحذف وهو مقدر بكون عام.
والمبتدأ هنا هو المصدر المنسبك من {أن} وفعل {تصيبهم} والتقدير: لولا إصابتهم بمصيبة ، وقد عقب الفعل المسبوك بمصدر بفعل آخر وهو {فيقولوا} ، فوجب أن يدخل هذا الفعل المعطوف في الإنسباك بمصدر ، وهو معطوف بفاء التعقيب.
فهذا المعطوف هو المقصود مثل قوله تعالى {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] فالمقصود هو"أن تذكر إحداهما الأخرى".
وإنما حيك نظم الكلام على هذا المنوال ولم يقل: ولولا أن يقولوا ربنا الخ حين تصيبهم مصيبة إلى آخره ، لنكتة الاهتمام بالتحذير من إصابة المصيبة فوضعت في موضع المبتدأ دون موضع الظرف لتساوي المبتدأ المقصود من جملة شرط {لولا} فيصبح هو وظرفه عمدتين في الكلام ، فالتقدير هنا: ولولا إصابتهم بمصيبة يعقبها قولهم {ربنا لولا أرسلت} الخ لما عبأنا بإرسالك إليهم لأنهم أهل عناد وتصميم على الكفر.