فانتصاب {رحمة} مؤذن بأنه معمول لعامل نصب مأخوذ من سياق الكلام: إما على تقدير كون محذوف يدل عليه نفي الكون في قوله {وما كنت بجانب الطور} ، والتقدير: ولكن كان علمك رحمة منا ؛ وإما على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله ، والتقدير: ولكن رحمناك رحمة بأن علمناك ذلك بالوحي رحمة ، بقرينة قوله {لتنذر قوماً} .
ويجوز أن يكون {رحمة} منصوباً على المفعول لأجله معمولاً لفعل {لتنذر} فيكون فعل {لتنذر} متعلقاً بكون محذوف هو مصب الاستدراك.
وفي هذه التقادير توفير معان وذلك من بليغ الإيجاز.
وعدل عن: رحمة منا ، إلى {رحمة من ربك} بالإظهار في مقام الإضمار لما يشعر به معنى الرب المضاف إلى ضمير المخاطب من العناية به عناية الرب بالمربوب.
ويتعلق {لتنذر قوماً} بما دل عليه مصدر {رحمة} على الوجوه المتقدمة.
واللام للتعليل.
والقوم: قريش والعرب ، فهم المخاطبون ابتداءً بالدين وكلهم لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وأما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فكانا نذيرين حين لم تكن قبيلة قريش موجودة يومئذ ولا قبائل العرب العدنانية ، وأما القحطانية فلم يرسل إليهم إبراهيم لأن اشتقاق نسب قريش كان من عدنان وعدنان بينه وبين إسماعيل قرون كثيرة.
وإنما اقتصر على قريش أو على العرب دون سائر الأمم التي بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم لأن المنة عليهم أوفى إذ لم تسبق لهم شريعة من قبل فكان نظامهم مختلاً غير مشوب بإثارة من شريعة معصومة ، فكانوا في ضرورة إلى إرسال نذير ، وللتعريض بكفرانهم هذه النعمة ، وليس في الكلام ما يقتضي تخصيص النذارة بهم ولا ما يقتضي أن غيرهم ممن أنذرهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير من قبله مثل اليهود والنصارى وأهل مدين.
وفي قوله {لتنذر} مع قوله {ما أتاهم من نذير} إشارة إلى أنهم بلغوا بالكفر حداً لا يتجاوزه حلم الله تعالى.