ولفظ: (أنا) وإن كان كل واحد يشير به إلى نفسه فليس المعنى به محل لفظه.
هذا: وجاء في سورة طه في التعبير عن هذه القصة {نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} ، وفي سورة النمل: {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} وما هنا غير ذلك، بل ما في كل غير ما في الآخر، فاستشكل ذلك، وأُجيب بأن المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرة والواقع أن ما في القرآن ترجمة عربية لما سمعه موسى، فتؤدَّي بأي عبارة تفهم أصل المعنى، وذهب الإِمام إلى أنه - تعالى - حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما.
ومثل هذا يقال فيما تكرر ذكره من القصص في القرآن الكريم مع اختلاف التعبير فيه,؛ لأن كل سورة تعنى عند ذكر القصة بالجانب الذي تسوقها من أجله، والتعبير الذي يناسبه.
31 - {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} الآية.
هذه الآية معطوفة على قوله: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ} فهي من جملة ما نودى به، فقد ناداه أولًا بما يؤكد ألوهية الله وربوبيته - سبحانه - لموسى وللعالمين جميعا ليستيقظ انتباهه وتنقشع غفلته، وناداه ثانيًا بما يؤدي الغرض ويحقق المقصود من اصطفائه للرسالة بقوله: وألق العصا التي تحملها في يديك على الأرض تنقلب حية في سرعة حركتها, ثعبانا عظيمًا في ضخامة جثتها وضخامة فمها، آية لك.
وعن الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجرة التي اعترضها اعتراضا, وعن الكلبي: كانت عصا من شجرة العوسج التي نودى منها موسى.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} يفصح عن كلام محذوف تقديره: فألقى موسى العصا طاعة لأمر ربه فانقلبت حية في خفتها وسرعة حركتها. وثعبانا في ضخامة جثتها. وعظم حجمها، فلما أبصرها تهتز وتتحرك بهذه الخفة تملاسه الخوف واستبد به الرعب ففر منهزما. ولم يعقب على شيء ولم يرجع وراءه أو يلتفت خلفه من شدة خوفه, وعند ذلك نودى من قبل الله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} من المخاوف لأنك رسول الله, وإنه لا يخاف لدى المرسلون.
32 - {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ... } الآية.