والقصص مصدر، سمي به المفعول كالعلل؛ أي: المقصوص، يعني: أخبره بجميع ما اتفق له، من عند قتله القبطي إلى عند وصوله إلى ماء مدين، {قَالَ} شعيب {لَا تَخَفْ} من حولهم وطولهم، إنك قد {نَجَوْتَ مِنَ} سطوة أولئك {الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: من فرعون وقومه، فإنه لا سلطان لهم بأرضنا، ولسنا في مملكتهم، أو المعنى: قَبِل الله دعاءك في قولك: {نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وفيه: إشارة إلى أن مَنْ وقع في الخوف يقال له: {لَا تَخَفْ} كما أن من وقع في الأمن يقال له: خف، وقال أويس القرني - رحمه الله تعالى -: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلهم، يعني: خائفًا مغمومًا. اهـ.
ثم إن موسى قد تربى عند فرعون بالنعمة الظاهرة، ولما هاجر إلى الله، وقاسى مشاق السفر والغربة عوَّضه الله عند شعيب النعمة الظاهرة والباطنة، وقد قيل:
سَافِرْ تَجِدْ عِوَضًا عَمَّن تُفَارِقُهُ ... وَانْصَبْ فَإِنَّ اكْتِسَابَ الْمَجْدِ فِيْ النَّصَبِ
فَالأُسْدُ لَوْلَا فِرَاقُ الْخِيْسِ مَا افْتَرَسَتْ ... وَالسَّهْمُ لَوْلَا فِرَاقُ الْقَوْسِ لَمْ يُصِبِ
وقيل أيضًا:
بِلَادُ اللهِ وَاسِعَةٌ فَضَاءً ... وَرِزْقُ اللهِ فِيْ الدُّنْيَا فَسِيْحُ
فَقُلْ لِلْقَاعِدِيْنَ عَلَى هَوَانٍ ... إِذَا ضَاقَتْ بِكُمْ أَرْضٌ فَسِيْحُوْا
ألا ترى أن موسى عليه السلام وُلد بمصر، ولما ضاقت به هاجر إلى أرض مدين، فوجد السعة مطلقًا، فالكامل لا يكون زمانيًا ولا مكانيًا، بل يسيح إلى حيث أمر الله تعالى، من غير ليِّ العنق إلى ورائه، ولو كان وطنه، فإن الله تعالى إذا كان مع المرء فالغربة له وطن، والمضيق له وسيع.
26 -ولما أمَّنه وطمأنه على نفسه دار الحديث، وكان ذا شجون و {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} ؛ أي: قالت واحدة من البنتين، وهي الكبرى التي استدعته إلى أبيها، وهي التي تزوجها موسى {يَا أَبَتِ} ؛ أي: يا أبي ويا والدي {اسْتَأْجِرْهُ} لنا؛ أي: اتخذ موسى أجيرًا لرعي الغنم، والقيام بأمرها.
وفيه: دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة، وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإِسلام إلا الأصم، فإنه من سماع أدلتها أصم.