ولما كان موسى عليه السلام جائعًا سأل من الله ما يأكل، ولم يسأل من الناس ففطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، وأغنامهما قفلت، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رحمنا فسقى لنا، ثم تولى إلى الظل فقال: رب إلخ، فقال أبوهما: هذا رجل جائع، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لنا.
25 - {فَجَاءَتْهُ} ؛ أي: فجاءت موسى {إِحْدَاهُمَا} ؛ أي: إحدى البنتين، عقيب ما رجعتا إلى أبيهما، وهي الكبرى عند الأكثرين، واسمها صفورياء أو صفوراء،
فَإِنْ قُلْتَ: كيف جاز لشعيب إرسال ابنته لطلب أجنبي؟
قلت: لأنه لم يكن له من الرجال من يقوم بأمره، ولأنه ثبت عنده صلاح موسى وعفته، بقرينة الحال، وبنور الوحي.
وقرأ ابن محيصن: {فجاءته أحداهما} بحذف همزة إحداهما تخفيفًا، على غير قياس، مثل ويل أمه، في ويل أمه، ويا بافلان، والقياس أن يُجعل بين وبين، ذكره أبو حيان.
حالة كونها {تَمْشِي} حال من فاعل جاءته {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} ؛ أي: على ما هو عادة الأبكار، مائلة عن الرجال، رافعة كمها على وجهها؛ أي: جاءته مستحية متحفزة، قد سترت وجهها بكم درعها، قال أبو بكر بن طاهر: لتمام إيمانها، وشرف عنصرها، وكريم نسبها، أتته على استحياء، وفي الحديث:"الحياء من الإيمان"؛ أي: شعبة منه، قال أعرابي: لا يزال الوجه كريمًا ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن رطبًا ما بقي لحاؤه.
والجمهور على أن الداعي أباهما، هو شعيب عليه السلام، وهما ابنتاه، وقال الحسن: هما ابنتا أخي شعيب، وهو مروان، وأن شعيبًا كان قد مات، وقال أبو عبيدة: هارون، وقيل: هو رجل صالح ليس من شعيب يُنسب، وقيل: كان عمهما صاحب الغنم، وهو المزوج، عبَّرت عنه بالأب، إذ كان بمثابته، والأول أرجح، وهو ظاهر النظم القرآني.
{قَالَتْ} استئناف بياني، كأنه قيل: ماذا قالت له لما جاءته؟ {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ} ؛ أي: ليكافئك {أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ؛ أي: جزاء سقيك لنا.
فَإِنْ قُلْتَ: إن موسى لم يسق لابنتي شعيب طلبًا للأجر، فكيف أجاب دعوة شعيب في قول ابنته له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ؟