وقولهما: {وَأَبُونَا} وهو شعيب عليه السلام {شَيْخٌ كَبِيرٌ} السن, أو القدر والشرف، لا يستطيع أن يخرج، فيرسلنا للرعي والسقي اضطرارًا، اعتذار إلى موسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما, وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما.
24 - {فَسَقَى لَهُمَا} ماشيتهما رحمة عليهما، وطلبًا لوجه الله تعالى، قيل: عمد موسى إلى بئر على رأسه صخرة، لا يرفعها إلا عشرة رجال، فنحاها بنفسه، واستقى الماء من ذلك البئر، روي أن الرجال كانوا يضعون على رأس البئر حجرًا لا يرفعه إلا سبعة رجال، أو عشرة أو أربعون، فرفعه وحده، مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم، ولعله زاحمهم في السقي لهما فوضعوا الحجر على البئر لتعجيزه عن ذلك، وهو الذي يقتضيه سوق النظم الكريم.
{ثُمَّ} بعد فراغه من السقي {تَوَلَّى} ؛ أي: أعرض وانصرف موسى {إِلَى الظِّلِّ} ؛ أي: ظلُّ سَمْرةٍ هناك، فجلس فيه ليستريح من حر الشمس، وهو جائع لم يذق طعامًا سبعة أيام، والظل هو المكان الذي لم يقع عليه شعاع الشمس {فَقَالَ} يا {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ} ؛ أي: إلى ما تنزله إلى من خير، واللام بمعني إلى متعلق بـ {فَقِيرٌ} ؛ و {أَنْزَلْتَ} بمعنى المضارع, {مِنْ خَيْرٍ} بيان لـ {ما} {فَقِيرٌ} خبر {إن} ، والمعنى: يا إلهي إني محتاج فقير إلى ما تنزله إلى من خزائن جودك ورزقك أي رزق كان, ولو شق تمرة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لقد قال موسى ذلك، وهو أكرم خلق الله عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة، ولصق بطنه بظهره من شدة الجوع، وقال المفسرون: تعرض لما يطعمه لما ناله من الجوع، ولم يصرح بالسؤال، وحكى ابن جرير: أنه أسمع المرأتين هذا الكلام تعريضًا أن تطعماه.
ويحتمل أن يريد: رب إني بسبب ما أنزلت إلى من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين، صرت فقيرًا في الدنيا، وذلك لأن موسى كان عند فرعون في ثروة وملك، فقال ذلك رضًا بهذا البدل المديني، وفرحًا به، وشكرًا له.