وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ دَخَلَ مُوسَى هَذِهِ الْمَدِينَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلَهَا مُتَّبِعًا أَثَرَ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ وَمُوسَى غَيْرُ شَاهِدٍ؛ فَلَمَّا حَضَرَ عَلِمَ بِرُكُوبِهِ فَرَكِبَ وَاتَّبَعَ أَثَرَهُ، وَأَدْرَكَهُ الْمَقُيلُ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ.
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"كَانَ مُوسَى حِينَ كَبُرَ يَرْكَبُ مَرَاكِبَ فِرْعَوْنَ، وَيَلْبَسُ مِثْلَ مَا يَلْبَسُ، وَكَانَ إِنَّمَا يُدْعَى مُوسَى بْنَ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ إِنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ مَرْكَبًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُوسَى؛ فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ رَكِبَ، فَرَكِبَ فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيلُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا مَنْفُ، فَدَخَلَهَا نِصْفَ النَّهَارِ، وَقَدْ تَغَلَّقَتْ أَسْوَاقُهَا، وَلَيْسَ فِي طُرُقِهَا أَحَدٌ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} ".
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ دَخَلَهَا مُسْتَخْفِيًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ خَالَفَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَعَابَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ مُوسَى أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى، آتَاهُ اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، فَكَانَتْ لَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِيعَةٌ يَسْمَعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ وَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَدَّ رَأْيُهُ، وَعَرَفَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، رَأَى فِرَاقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَقًّا فِي دِينِهِ، فَتَكَلَّمَ وَعَادَى وَأَنْكَرَ، حَتَّى ذُكِرَ مِنْهُ، وَحَتَّى أَخَافُوهُ وَخَافَهُمْ، حَتَّى كَانَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةَ فِرْعَوْنَ إِلَّا خَائِفًا مُسْتَخْفِيًا، فَدَخَلَهَا يَوْمًا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا» .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدِينَتِهِ حِينَ عَلَاهُ بِالْعَصَا، فَلَمْ يَدْخُلْهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ كَبُرَ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ.
قَالُوا: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا لِذِكْرِ مُوسَى؛ أَيْ مِنْ بَعْدِ نِسْيَانِهِمْ خَبَرَهُ وَأَمْرَهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَيْسَ غَفْلَةً مِنْ سَاعَةٍ، وَلَكِنْ غَفْلَةٌ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى وَأَمْرِهِ.