ووصفت الآيات بعد ذلك انعكاسات الحادث على نفسية موسى من جهة وعلى وضعيته القلقة في المجتمع الفرعوني من جهة أخرى، ثم وصفت مضاعفات الحادث، وانتشار خبره بين الناس، وما يمكن أن يتطور إليه، وإلى ذلك كله تشير الآيات التالية: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} و"الترقب"انتظار الأمر المكروه {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} من الصراخ، أي يصيح به مستغيثا من فرعوني آخر {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أي ظاهر الغواية واللدد، يقصد بذلك عتابه وتأنيبه {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} أي عندما خيل للفرعوني أن موسى يهم بدفعه والبطش به {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} ومعنى"الجبار"في هذا المقام الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن.
ولما وقعت هذه الواقعة وخرجت من طي الكتمان، وشاع
أمرها بين الناس، وتردد اسم موسى بصفته مسؤولا عنها، هم آل فرعون بمؤاخذته عليها {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} ، والرجل الذي اطلع على هذا السر من مصدره، وتحمل مشقة الانتقال للإفضاء به إلى موسى في غفلة عن الأنظار، وسباق مع الذين يتعقبون موسى، من زبانية فرعون الأشرار، حتى يخبره الخبر، فيبادر بمغادرة مصر قبل أن تمتد إليه أيديهم، هو فيما ذهب إليه أكثر المفسرين،"مؤمن آل فرعون"نفسه، الذي لم يكن على دين فرعون رغما عن كونه ابن عمه، والذي كان على ملة يوسف قبل أن يتنبأ موسى ويؤمن به. والوصف"بالرجولة"و"الفتوة"لا يلقيه كتاب الله جزافا، وإنما يصف به أصحاب المواقف الحاسمة في نصرة الحق والجهر به والدفاع عنه، والتمسك بحبله والثبات عليه، من أولي العزم الصادقين.