ويروى أنها حين اقتربت وضَربها الطلق ، وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها ؛ فقالت: لينفعني حُبُّك اليوم ؛ فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه ، وارتعش كل مَفْصِل منها ، ودخل حبّه قلبها ، ثم قالت: ما جئتكِ إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون ، ولكني وجدت لابنك حبًّا ما وجدت مثله قط ، فاحفظيه ؛ فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنّور مسجور ناراً لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها ، فطلبوا فلم يلفوا شيئاً ، فخرجوا وهي لا تدري مكانه ، فسمعت بكاءه من التنّور ، وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاماً.
قوله تعالى: {وَلاَ تَخَافِي} فيه وجهان: أحدهما: لا تخافي عليه الغرق ؛ قاله ابن زيد.
الثاني ؛ لا تخافي عليه الضيعة ؛ قاله يحيى بن سَلاّم.
{وَلاَ تحزني} فيه أيضاً وجهان: أحدهما: لا تحزني لفراقه ؛ قاله ابن زيد.
الثاني: لا تحزني أن يقتل ؛ قاله يحيى بن سَلاّم.
فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار ، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر.
وقال آخرون: ثلاثة أشهر.
وقال آخرون ثمانية أشهر ؛ في حكاية الكلبي.
وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعة التابوت نَمَّ إلى فرعون بخبره ، فبعث معه من يأخذه ، فطمس الله عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق ، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون ، فآمن من ذلك الوقت ؛ وهو مؤمن آل فرعون ؛ ذكره الماوردي.
وقال ابن عباس: فلما توارى عنها ندّمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إليّ من إلقائه في البحر ؛ فقال الله تعالى: {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين} أي إلى أهل مصر.
حكى الأصمعيّ قال: سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:
أستغفر الله لذنبي كلِّه ...
قَبَّلتُ إنساناً بغير حِلِّه
مثل الغزال ناعماً في دَلِّه ...