ولما كان الخوف عما يلحق المتوقع ، والحزن عما يلحق الواقع ، علل نهيه عن الأمرين ، بقوله في جملة اسمية دالة على الثبات والدوام ، مؤكدة لاستبعاد مضمونها: {إنا رادوه إليك} فأزال مقتضى الخوف والحزن ؛ ثم زادها بشرى لا تقوم لها بشرى بقوله: {وجاعلوه من المرسلين} أي الذين هم خلاصة المخلوقين ، والآية من الاحتباك ، ذكر الإرضاع أولاً دليلاً على تركه ثانياَ ، والخوف ثانياً دليلاً على الأمن أولاً ، وسره أنه ذكر المحبوب لها تقوية لقلبها وتسكيناً لرعبها.
ولما كان الوحي إليها بهذا سبباً لإلقائه في البحر.
وإلقاؤه سبباً لالتقاطه ، قال: {فالتقطه} أي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقاً وقيرته لئلا يدخل إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل ، وكأن بيتها كان فوق بيت فرعون ، فساقه الماء إلى قرب بيت فرعون ، فتعوق بشجر هناك ، فتلكف جماعة فرعون التقاطه ، قال البغوي: والالتقاط وجود الشيء من غير طلب.
{آل فرعون} بأن أخذوا الصندوق ، فلما فتحوه وجدوا موسى عليه السلام فأحبوه لما ألقى الله تعالى عليهم ممن محبته فاتخذوه ولداً وسموه موسى ، لأنهم وجدوه في ماء وشجر ، ومو بلسانهم: الماء ، وسا: الشجر.
ولما كانت عاقبة أمره إهلاكهم ، وكان العاقل لا سيما المتحذلق ، لا ينبغي له أن يقدم على شيء حتى يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله ، عبر سبحانه بلام العاقبة التي معناها التعليل ، تهكماً بفرعون - كما مضى بيان مثله غير مرة - في قوله: {ليكون لهم عدواً} أي بطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق {وحزناً} أي بزوال ملكهم ، لأنه يظهر فيهم الآيات التي يهلك الله بها من يشاء منهم ، ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص جميع بني إسرائيل منهم ، ثم يظفر بهم كلهم.