اشتهر بينهم سواء طابق الواقع أم لا، فلا وجه للبحث في مثل هذا بأن هذا الإلهام مع
أن إثبات الإلهام له من سوء الإفهام. وأطيش من فراشة أي أخف منه وهذا كما أنه
مثل في الطيش أي الخفة عَلَى ما ذكر في الصحاح هُوَ أَيْضًا مثل في الضعف عَلَى ما
نقل عن المستصفى، ولهذا قال في الكَشَّاف وهو أضعف من فراشة وأعز من مخ
البعوض من العزة بمعنى الندور لا بمعنى ضد الذل، والمخ هُوَ الدماغ والذهن في
داخل العظام. والبعوض فعول من البعض وسيأتي تمام بيانه، ومما جاء في عبارات
البلغاء أجمع من الذرة وأجرأ من الذباب إلَى غير ذلك مما لا يكاد يحصى وغرضه
من هذا البيان إلزام المنكرين وهم مشركو العرب والْيَهُود بأن الْقُرْآن نزل عَلَى وفق
محاورات العرب فكما في عبارات البلغاء شاع تمثيل الحقير بالحقير كما شاع تمثيل
العظيم بالعظيم، وإن كان الممثل من أشرافهم وأعيانهم، كَذَلكَ شاع في كلام الله تَعَالَى.
وإنكارهم الْقُرْآن لا يضر ذلك؛ إذ إنكار التمثيل ليس لإنكارهم الْقُرْآن بل لأن الله
تَعَالَى أجل من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت، كما نقله المصنف عنهم
بقوله لا كما قالت الجهلة الخ. كأنهم قَالُوا هب أن الْقُرْآن كلام الله تَعَالَى لكن الأمثال
المضروبة ليست بمناسبة لجلال الله تَعَالَى، فرد الله تَعَالَى بهذا النظم الجليل إنكارهم
إياه ببيان حسنه وما هُوَ الشرط فيه إثر ردهم ارتيابهم في الْقُرْآن بالتحدي وإفحام كافة
الفصحاء، وإلى هذا أشير في الكَشَّاف حيث قال: والعجب منهم كَيْفَ ينكرون ذلك وما [زال]
النَّاس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور [وأحناش] الْأَرْض والحشرات والهوام، [وهذه] أمثال
العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم انتهى. ومراده ما ذكرناه من أن الْقُرْآن أنزل
على اصْطلَاح العرب وبعد تسليم الْقُرْآن كما هُوَ الظَّاهر من مقالهم إنكارهم ذلك من
أعجب العجائب وأشنع المعائب. والْقَوْل بأن هذا ليس في مقابلة إنكارهم بل هُوَ دليل
إقناعي ذكره ثانيًا لاطمئنان قلوب الْمُؤْمنينَ بعد أن ذكر الدليل الإلزامي وقضى الوطر عن
التزامهم ضعيف لا يعبأ به.
قوله: (لا ما قالت الجهلة من الْكُفَّار لما مثل الله تَعَالَى حال الْمُنَافقينَ بحال
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لا ما قالت الجهلة. عطف عَلَى قوله أن يكون عَلَى وفق الممثل به. أي والشرط في
التمثيل أن يكون عَلَى وفق الممثل بأن يكون حاله كحال الممثل به لا كما زعمت الجهلة، ويجوز
أن يكون بدلًا من قوله دون الممثل.