ورُوي عنه أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ} الآية ، وقوله تعالى: {مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء} الآية ، قالت اليهود: أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى ، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييزٌ أنه ليس مما يتصور فيه الترددُ فضلاً عن النكير ، بل هو من أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشر ، نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر ، كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس إلا إبرازاً للمعنى المقصودِ فِي معرض الأمرِ المشهود ، وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس ، وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس ، لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل ، واستعصائه عليه فِي إدراك الحقائق الخفية ، وفهمِ الدقائق الأبية ، كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه ، ولذلك شاعت الأمثالُ فِي الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت فِي عبارات البلغاء وإشارات الحكماء ، ومن قضية وجوبِ التماثل بين الممثَّل والممثَّل به فِي مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم ، والحقير بالحقير ، وقد مُثل فِي الإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة ، ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابير ، وجاء فِي عبارات البلغاء: أجمعُ مِنْ ذرةٍ ، وأجرأ من الذباب ، وأسمع من قُراد ، وأضعفُ من بعوضة ، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر.
والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه ، يقال: حيي الرجل وهو حَيِيٌّ ، واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي ، يقال: شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص ، واشتكى بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر ، يقال: استحييتُه واستحييتُ منه ، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر ، وقد يحذف منه إحدى الياءين ، ومنه قوله: