وقرأ ابن مُحَيْصِن"يستحِى"بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة ؛ ورُوي عن ابن كَثِير ، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل ؛ نُقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت ، فحذفت إحداهما للالتقاء ؛ واسم الفاعل مُسْتَحٍ ، والجمع مستحون ومستحين.
قاله الجوهري.
واختلف المتأوّلون فِي معنى"يستحي"فِي هذه الآية ؛ فقيل: لا يخشى ؛ ورجّحه الطبري ؛ وفي التنزيل: {وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] بمعنى تستحي.
وقال غيره: لا يترك.
وقيل: لا يمتنع.
وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح ؛ وهذا مُحال على الله تعالى.
وفي صحيح مسلم عن أمْ سَلَمة رضي الله عنها قالت: جاءت أمّ سُليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ، إن الله لا يستحي من الحق.
المعنى لا يأمر بالحياء فيه ، ولا يمتنع من ذكره.
قوله تعالى: {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا} "يضرب"معناه يبيّن ، و"أن"مع الفعل فِي موضع نصب بتقدير حذف مِن.
"مَثَلاً"منصوب بيضرب.
"بَعُوضةً"فِي نصبها أربعة أوجه:
الأول: تكون"ما"زائدة ، و"بعوضةً"بدلاً من:"مَثَلاً".
الثاني: تكون"ما"نكرة فِي موضع نصب على البدل من قوله:"مَثَلاً"و"بعوضةً"نعت لما ؛ فوصفت"ما"بالجنس المنكّر لإبهامها لأنها بمعنى قليل ؛ قاله الفَرّاء والزجاج وثَعْلب.
الثالث: نصبت على تقدير إسقاط الجارّ ، المعنى أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة ؛ فحذفت"بين"وأعربت بعوضة بإعرابها ؛ والفاء بمعنى إلى ، أي إلى ما فوقها.
وهذا قول الكسائي والفرّاء أيضاً ؛ وأنشد أبو العباس:
يا أحْسَنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ ...
ولا حِبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تَصِلُ
أراد ما بين قَرْن ، فلما أسقط"بين"نصب.
الرابع: أن يكون"يضرب"بمعنى يجعل ، فتكون"بعوضةً"المفعول الثاني.