وأقول: أول من قال بالرجعة عبد الله بن سبأ ولكن خصها بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتبعه جابر الجعفي في أول المائة الثانية فقال برجعة الأمير كرم الله تعالى وجهه أيضاً لكن لم يوقتها بوقت ، ولما أتى القرن الثالث ثرر أهله من الإمامية رجعة الأئمة كلهم وأعدائهم وعينوا لذلك وقت ظهور المهدي ، واستدلوا على ذلك بما رووه عن أئمة أهل البيت ، والزيدية كافة منكرون لهذه الدعوى إنكاراً شديداً ، وقد ردّوها في كتبهم على وجه مستوفى بروايات عن أئمة أهل البيت أيضاً تعارض روايات الإمامية ، والآيات المذكورة هنا لا تدل على الرجعة حسبما يزعمون ولا أظن أن أحداً منهم يزعم دلالتها على ذلك ، بل قصارى ما يقول: إنها تدل على رجعة المكذبين أو رؤسائهم فتكون دالة على أصل الرجعة وصحتها لا على الرجعة بالكيفية التي يذكرونها ، وفي كلام الطبري ما يشير إلى هذا.
وأنت تعلم أنه لا يكاد يصح إرادة الرجعة إلى الدنيا من الآية لافادتها أن الحشر المذكور لتوبيخ المكذبين وتقريعهم من جهته عز وجل بل ظاهر ما بعد يقتضي أنه تعالى بذاته يوبخهم ويقرعهم على تكذيبهم بآياته سبحانه ، والمعروف من الآيات لمثل ذلك هو يوم القيامة مع أنها تفيد أيضاً وقوع العذاب عليهم واشتغالهم به عن الجواب ولم تفد موتهم ورجوعهم إلى ما هو أشد منه وأبقى وهو عذاب الآخرة الذي يقتضيه عظم جنايتهم ، فالظاهر استمرار حياتهم وعذابهم بعد هذا الحشر ، ولا يتسنى ذلك إلا إذا كان حشر يوم القيامة ، وربما يقال أيضاً: مما يأبى حمل الحشر المذكور على الرجعة أن فيه راحة لهم في الجملة حيث يفوت به ما كانوا فيه من عذاب البرزخ الذي هو للمكذبين كيفما كان أشد من عذاب الدنيا ، وفي ذلك إهمال لما يقتضيه عظم الجناية ، وأيضاً كيف تصح إرادة الرجعة منها ، وفي الآيات ما يأبي ذلك ، منه قوله تعالى: