مصدرًا هذا أصل معناه وسيجيء ما هُوَ الْمُرَاد. قوله أو مشيًا هينًا. الْأَوْلَى تَرْكُه مصدر الخ. أي
هون مصدر بمعنى اللين ضد الخشونة والرفق ضد الغلظة وصف به الذات مُبَالَغَة كرجل
عدل هذا عَلَى كلا الوصفين لأن الحال وصف لصاحبها.
قوله: (والْمَعْنَى أنهم يمشون بسكينة وتواضع) . والْمَعْنَى أنهم الخ. يعني أنه كناية عَمَّا
ذكر والتواضع صفة الماشي لا المشي واعتبار المُبَالَغَة في مثله ليس بحسن وذكر عَلَى
الْأَرْض مع أن النفي لا يكون إلا في الْأَرْض للتنبيه عَلَى عموم الْأَرْض وعلى عموم
الأوقات كقَوْله تَعَالَى: (وما من دابة في الْأَرْض) الآية. وإنَّمَا ذكر عَلَى دون في
كقَوْله تَعَالَى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) الآية. تنبيهًا عَلَى أنهم مع
كونهم مستعلين عَلَى الْأَرْض يتواضعون ويكون مشيهم بسكونة ووقار لا بالاستكبار.
قوله: (وإذا خاطبهم الجاهلون) الآية. لما لم يكن مشيهم
متواضعًا محافظًا للحدود خاليًا عن مرور السفهاء ومخاطبتهم باللهو والإيذاء بين الله
تَعَالَى معاملتهم مع الجاهلين وإعراضهم عن مقابلة الغافلين عملًا بما ورد في الْإنْجيل
لا تخاطبوا السفهاء فإنهم كالزنابير وتصدير الْكَلَام بـ إذا والْمَاضي لتحقق وقوعه وكثرة
إيذائهم والتَّعْبير بالجهل إشَارَة إلَى علة الخطاب الْمَذْكُور بأنواع الإيذاء وإن من قابله
بمثل هذا الترهات فقد صار من زمرة الجاهلين العتاة ففيه زجر عظيم عن مخاطبة
السفهاء لا سيما يظن أنه من الفقهاء.
قوله: (تسليمًا منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر) تسليمًا نصب عَلَى المصدرية
أي نسلم منكم تسليمًا والْجُمْلَة مقول الْقَوْل والأَولى نسلم عليكم؛ إذ ما حكي عنهم في
سورة القصص (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) قوله ومتاركة إشَارَة إلَى
أن اللام سلام التوديع والمتاركة لا سلام التحية ومثل هذا التسليم غير ممنوع عن الْكُفَّار.
وفي اللباب: وقال الأصم قَالُوا سلامًا أي سلام توديع لا تحية كقول إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ
لأبيه (قال سلام عليك) ونقل عن سيبَوَيْه أنه قال في كتابه (قَالُوا سلامًا) أي براءة منكم لأنها
مكية وَالسَّلَامُ في النساء وهي مدنية ولم يؤمر المسلمون بمكة أن يسلموا عَلَى الْمُشْركينَ
وإنما هذا عَلَى معنى براءة منكم وتسلمًا لا خير بيننا وبينكم ولا شرًا واختاره المصنف.
قوله: (أو سداد من الْقَوْل يسلمون فيه) أو سدادًا من الْقَوْل بفتح السين وهو عطف
على تسليمًا فحِينَئِذٍ لا إشكال بأنهم كَيْفَ يسلمون الْكُفَّار حتى يتمحل في دفعه بالوجه
الْمَذْكُور، وهذا ترك مقابلتهم بالوجه الذي هُوَ غير ما حكي عنهم في سورة القصص فلا
يتوجه ما قيل وهذا ليس بسديد لأن الْمُرَاد هنا يقولون هذه اللفظة لا أنهم يقولون قولًا ذا
سديد بدليل قوله (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) إذ لا حصر فيه فكما يقولون هذه