وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لي ذنوباً ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
قالوا: وأيضاً فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، قيل: من هم؟ قال:"الذين بدل سيئاتهم حسنات".
قالوا: وهؤلاء هم الأبدال في الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالاً لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التي عملوها حسنات، قالوا: وأيضاً فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدلوهم أَعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاءً وفاقاً.
قالت الطائفة الأُولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبي ذر على صحة قولكم وهو صريح في أن هذا الذي قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها في النار حتى كان آخر أهلها خروجاً منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام في التائب من السيئات، لا فيمن مات مصراً عليها غير تائب، فأَين أحدهما من الآخر؟
وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسناداً ومتناً، إلا أنه مختصر.
وأما حديث أبي هريرة فلا يثبت مثله، ومَن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه يقول:"ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى المرءُ إكثاره منها، مع سوءِ عاقبتها، وسوءِ مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات؟ وفي الترمذي مرفوعاً:"ليتمنينَّ أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاءِ".