ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم في منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها.
والذي يزيد هذا المعنى تقريراً أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه، فلما أحبه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه مشياً أتاه هرولة.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له.
فإذا تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح المنور، فذلك الذي لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
(فصل)
ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التي تحصل له، والجزاءُ من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أَعقبه فرحاً عظيماً. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأْن. وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه من هم أَو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تأَلمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر قلبه ويضيق صدره، فأَكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه المحنة.
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتاً واستعداده ضعيفاً لم يحصل له ذلك ..