والرجاء يحدو العبد في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء، وبالرجاء يزداد العبد حباً لله، فإنه كلما اشتد رجاؤه، وحصل له ما يرجوه ازداد حباً لله، وشكراً له، ورضى به وعنه.
وبالرجاء يزداد العبد من معرفة الله وأسمائه وصفاته، ومعانيها، والتعلق بها، والتعبد بها.
وفي الرجاء تكميل مراتب العبودية من الذل والانكسار، والتوكل والاستعانة والخوف والرجاء، والصبر والشكر، والرضا والإنابة.
ولهذا قدر الله على العبد الذنب وابتلاه به لتكميل مراتب العبودية له بالتوبة التي هي أحب شيء إليه، فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف.
ودرجات الرجاء ثلاث:
الأولى: رجاء يبعث العامل لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه، ويولد عنده اللذة حين الطاعة والعبادة.
فإنه كلما طالع قلبه ثمرتها وحسن عاقبتها التذ بها، وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره، وكذا المحب الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه كلما تأمل رضاه عنه، وقبوله سعيه، وقربه منه، تلذذ بتلك المساعي والأعمال.
وكذلك الطباع لها معلوم ورسوم تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا
بعوض هو أحب إليها من رسومها.
فإذا قوي تعلق الرجاء بهذا العوض الأفضل الأشرف سمحت الطباع بترك تلك الرسوم، فإن النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، أو حذراً من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب.
الثانية: رجاء يبعث النفس لترك مألوفاتها، والاستبدال بها مألوفات أخرى هي خير منها وأكمل.
فرجاء هؤلاء أن يبلغوا مقصودهم بصفاء الوقت، ولزوم الشرع، والوقوف عند حدوده.
الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق، المبغض المنغص للعيش، المزهد في الخلق.
وهذا الرجاء أفضل أنواع على الرجاء وأعلاها، والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه، وعيشه منغص حتى يلقى محبوبه.