57 -ثم أمر رسوله أن يبين لهم أنه مع كونه يريد نفعهم لا يبغي لنفسه نفعًا، فقال: {قُلْ} لهم يا محمد {مَا أَسْأَلُكُمْ} أيها المشركون {عَلَيْهِ} ؛ أي: على تبليغ الرسالة التي ينبئ عنها الإرسال، أو على التبشير والإنذار، أو على القرآن، أقوال {مِنْ أَجْرٍ} وجعل من جهتكم، فتقولوا: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه، والأجر ما يعود من ثواب العمل دنيويًا كان أو أخرويًا {إِلَّا مَنْ شَاءَ} ؛ أي: إلا فعل من يريد {أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} ؛ أي: أن يجعل لنفسه سبيلًا موصلًا إلى ربه؛ أي: يريد أن يتقرب إلى ربه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة والإنفاق حسبما أدعوكم إليه، يعني: إن أعطيتم لي أجرًا فأعطوني ذلك الفعل، فإني لا أسأل غيره.
والظاهر: أن الاستثناء منقطع، والمعنى عليه: لا أطلب من أموالكم جعلًا لنفسي، لكن من شاء إنفاقه لوجه الله تعالى فليفعل، فإني لا أمنعه عنه. وقيل: هو متصل، والمعنى عليه: إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الحصول.
وفي"الفتوحات المكية": مذهبنا أن للواعظ أخذ الأجرة على وعظ الناس، وهو من أحل ما يأكل، وإن كان ترك ذلك أفضل. وإيضاح ذلك أن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الإجارة، فإن ما من نبي دعا إلى الله إلا قال: إن أجرى إلّا على الله، فأثبت الأجر على الدعاء، ولكن اختار أن يأخذه من الله، لا من المخلوق انتهى.
وأفتى المتأخرون بصحة الأجرة للأذان والإقامة، والتذكير والتدريس والحج والغزو، وتعليم القرآن والفقه وقراءتهما؛ لفتور الرغبات اليوم، ولو كانت الإجارة على أمر واجب، كما إذا كان المعلم والإمام والمفتي واحدًا، فإنها لا تصح إجماعًا كما في الكرماني وغيره. وكذا إذا كان الغسّال في القرية واحدًا، فإنه يتعين عليه غسل الميت، ولا يجوز له طلب الأجرة.