والمعنى: لهؤلاء المتقين في هذه الجنة التي يصيرون إِليها، ما يشاءون من ألوان النعيم المناسبة لهم، على قدر أَعمالهم ودرجتها، حتى لا يتساوى المقصرون بالكاملين، فكل طبقة تقتصر مشيئتها على ما هو حق لها بمقتضى وعد الله الكريم، فلا تمتد رغباتهم إلى ما هو حق لغيرهم، يظلون في جنتهم خالدين لا يَخْرُجون منها ولا يُخرجُون، كان ذلك النعيم المقيم موعودا حقيقًا أن يُسْأل ويطلب , لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون.
ويجوز أَن يكون الموعود مسئولًا حقيقة على معنى أن الناس يسألونه في دعائهم بقولهم: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} وقال سعيد بن هلال: سمعت أَبا حازم - رضي الله عنه - يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: عملنا لك بما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله تعالى: {وَعْدًا مَسْئُولًا} وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق أَبي سعيد هذا، عن محمد بن كعب القرظى أنه قال في الآية: إن الملائكة لتسأل ذلك في قولهم: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ... } .
والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره - صلى الله عليه وسلم -، لتشريفه والإشارة إلى أَنه هو الفائز بهذا الوعد لأمته، والآية تدل على وجوب تحقق وعده الكريم بمقتضى
وعده، لقوله سبحانه: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} ووعد الله لا يتخلف، وليس لأحد عنده تعالى حق ذاتى على عمله، فالله تعالى هو الذي خلقه وأقدره على العمل، وإِنما ذلك بمحض فضل الله ووعده الكريم.
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) }
المفردات: