ثم بينت أن عباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض متواضعين، وأنهم يسالمون من يجهل عليهم ويشاركونه ولا يجارونه في سفهه، ووصفتهم بأنهم يتعوذون بالله من جهنم، وأنهم في إنفاقهم يتوسطون بين التبذير والتقتير وأنهم لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون نفسًا بغير حق ولا يزنون , وأَن من تاب منهم من ذنبه توبة نصوحًا فإن الله تعالى يقبل توبته وأنهم إذا ذُكروا بآيات ربهم تأثروا بها ولم يخروا عليها صمًّا وعميانا، وأنهم يطلبون من الله أن يجعل لهم من أفواجهم وذرياتهم قرة أَعين، ويجعلهم للمتقين إماما، وأنهم يجزون الغرف العالية في الجنة بصبرهم على طاعة الله، ويُحَيَّوْن فيها بالسلام والأمان {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} وأنه تعالى لا يعبأ بعباده لولا عبادتهم ودعاؤهم إياه فإن كذبوا رسله فسوف يكون عذابه ملازما لهم. وسيأتي بيان ما أَجملناه في تفسير آياتها تباعا، والله تعالى هو الموفق.
بسم الله الرحمن الرحيم
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) }
المفردات:
{تَبَارَكَ} : أي تعالى وتعاظم، ولا يستعمل مع غير الله تعالى غالبًا ولا يُتَصَرَّف فيه.
{الْفُرْقَانَ} : المراد به القرآن، وهو في الأَصل مصدر فرق بين الشيئين، إِذا فصل بينهما، سمى به القرآن لفصله بين الحق والباطل. {نَذِيرًا} : أَي منذرا أو إِنذارا كالنكير بمعنى الإنكار.
{فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} : أي فَهَيأهَ لما أَراده له من الخصائص والأفعال تهيئة دقيقة. {نُشُورًا} : بعثا.
التفسير
1 - {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} :