فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ خطاب مع المشركين في الدنيا يعني فسيكذبكم في الآخرة الهتكم التي تعبدونها أورد صيغة الماضي للقطع بوقوعها كما في قوله تعالى إذا السّماء انشقّت. وجاز أن يكون بتقدير القول يعني فنقول حينئذ للمشركين فقد كذبكم المعبودون بِما تَقُولُونَ الباء بمعنى في أي في قولكم انهم الهة أو هؤلاء أضلونا وجاز أن يكون بما تقولون بدل اشتمال من الضمير المنصوب في كذّبوكم يعني كذبوا قولكم فَما تَسْتَطِيعُونَ عطف على فقد كذّبوكم قرأ حفص بالتاء على الخطاب للعابدين والباقون بالياء على ان الضمير راجع إلى المعبودين صَرْفاً أي لا يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم وَلا نَصْراً لكم اولا تستطيعون أنتم صرف العذاب عن أنفسكم ولا نصر أنفسكم. وقيل الصرف الحيلة ومنه قول العرب انه يتصرف أي يحتال وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ايها الناس نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ان كان المراد بالظلم الشرك فالجزاء لازم اجماعا وإن كان يعم الكفر والفسق فاقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة اجماعا وبالعفو عندنا.
أخرج الواحدي من طريق جويبر والبغوي عن الضحّاك - رضي الله عنه - عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - وابن جرير - رضي الله عنه - نحوه من طريق سعيد أو عكرمة عند انه لما عيّر المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة وقالوا ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام ويمشى في الأسواق حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ يعني الا رسلا انهم لياكلون فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه والمعنى الا رسلا آكلين الطعام والماشين في الأسواق كقوله تعالى وما منّا الّا له مقام معلوم أي ما منّا من أحد الا من له مقام معلوم وجاز أن يكون حالا اكتفى منها بالضمير يعني ما أرسلنا قبلك أحد من المرسلين في حال من الأحوال الّا والحال انّهم لياكلون وجملة ما أرسلنا معترضة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً