-ومنه أن الزيادة في الصوت تكون لزيادة في المعنى، فذكر « ... أن الأصوات تابعة للمعاني، فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت، ويكفيك من ذلك قولهم: قطع وقطّع، كسر وكسّر، زادوا في الصوت لزيادة المعنى، واقتصدوا فيه لاقتصادهم فيه.»
وقال في قراءة من قرأ: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة 3] بغير ألف:
«كأن متجنفا أبلغ وأقوى معنى من متجانف، وذلك لتشديد العين، وموضوعها لقوة المعنى بها، نحو: تصوّن هو أبلغ من تصاون، لأن تصوّن أوغل في ذلك، فصحّ له وعرف به، وأما تصاون فكأنه أظهر من ذلك، وقد يكون عليه، وكثيرا ما لا يكون عليه ... »
-ومنه تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، قال:
«اعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعاني إذ كانت عليها أدلة، وبها محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نحت ينحت، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: نحط ينحط، إذا زفر في بكائه، فكأن ذلك الضغط الذي يصحب الصوت ينال من آلة النفس، ويحتّها ويسفنها، فيكون كالنحت لما ينحت، لأنه تحيّف له وأخذ منه.»
وقال في الدلالة على أن (الأمر) بمعنى الكثرة: «ومن بعد فالأمر من
(أم ر) ، وهي محادّة للفظ (ع م ر) ومساوقة لمعناها، لأن الكثرة أقرب شيء إلى العمارة.
وما أكثر وما أظهر هذا المذهب في هذه اللغة! ومن تنبّه عليه حظي بأطرف الطريف وأظرف الظريف.»
-ومن تقارب الألفاظ لتقارب المعاني أن يختصّ كل معنى بما يشاكله من اللفظ، قال في الاحتجاج لقراءة من قرأ: فقبصت قبصة [طه 96] بالصاد فيهما:
«القبض بالضاد معجمة باليد كلّها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع.
وهذا مما قدمت إليك في نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلّها ما جعلت عبارة عن الأقل.»