أولها: إنَّ الاسترخاء والضعف النفسي قد أصابهم بسبب ترفهم أولًا ، واستضعافهم ثانيًا ، وطغيان فرعون فِي حكمهم ثالثًا ، وبأنَّهم حرموا حب الفداء ، وإذا حرم قوم حب الفداء هانت عليهم أنفسهم ورزقوا الوهن ، وكذلك بنو إسرائيل ، فقد خافوا من غير مخوف ، وماتت فيهم النخوة ، كما تدل الآيات الكريمات.
وثانيها: إنَّ ضعفهم أفقدهم قوة الإيمان ، والشك فِي حكم الديَّان ، حتى إنهم ليقولون لموسى - عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. وذلك تهكُّم يدل على وَهَن إيمانهم ، كما وهنت نفوسهم.
وثالثها: إنَّ الأمم لا تتربَّى إلَّا بتعوّد خشونة العيش ، كما تعوَّدت نعومته ، وأن تذوق جشبه كما ذاقت حلاوته ، ولذلك بَيِّنَ الله - سبحانه وتعالى - أنه لا يمكن أن يدخلوا الأرض المقدَّسة التي كتب الله تعالى عليهم أن يدخلوها ، فقال سبحانه: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} .
وهذا كما يبدو من الآية تحريم كوني ، أي: إنَّه لا يمكن أن يستطيعوا الدخول إلى الأرض المقدسة مقاتلين مجاهدين إلَّا بعد أن يذهب عنهم ذل الوهن ، ويأتي جيل جديد قد ذاق طعم الشدة ، وعلم الحياة نضالًا ، ولم يعلمها استكانة وضعفًا ، والتقدير بالأربعين لا أحسب أنه يقصد به العدد ، ولكن يقصد به الكثرة التي تنشئ جيلًا تربَّى فِي شظف العيش وصلابة الحياة وقسوتها.
ولقد أخذ هذه الحقيقة القرآنية ابن خلدون ، وجعل أساس قوة الأمم شدة الحياة وصلابتها ، فإنها إذا استرخت أدال الله منها بقوم أولي بأس شديد تربَّوا فِي البداوة ، وذاقوا بأسها.