الثانية فِي منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً. ثم إن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] وبالقمر {وجعل القمر فيهن نوراً} [نوح: 16] وبالشمس {وجعل الشمس سراجاً} [نوح: 16] وبالعرش {رب العرش العظيم} [التوبة: 129] وبالكرسي {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] وباللوح {فِي لوح محفوظ} [البروج: 22] وبالقلم {ن والقلم} [القلم: 1] وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً. وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة {ربنا ما خلقت هذا باطلاً} [آل عمران: 191] {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا} [ص: 27] وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها فِي ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار فِي الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار فِي الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت غلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا. فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله تعالى يقول: لو وقفت الشمس فِي جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك