وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ غَايَةَ التَّوْسِعَةِ فِي دِينِهِ وَرِزْقِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، وَفَتَحَ لَهُمْ بَابًا لَهَا لَا يُغْلِقُهُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَجَعَلَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ كَفَّارَةً تُكَفِّرُهَا مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَجَعَلَ بِكُلِّ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنَ الْحَلَالِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ وَأَطْيَبَ وَأَلَذَّ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ لِيَسْتَغْنِيَ الْعَبْدُ عَنِ الْحَرَامِ، وَيَسَعُهُ الْحَلَالُ فَلَا يَضِيقُ عَنْهُ، وَجَعَلَ لِكُلِّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ وَيُسْرًا بَعْدَهُ،"فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ سُبْحَانَهُ مَعَ عِبَادِهِ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يَسَعُهُمْ، فَضْلًا عَمَّا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.
(فصل آخر)
إِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا كَانَ إِلَى اللَّهِ أَقْرَبَ كَانَ جِهَادُهُ فِي اللَّهِ أَعْظَمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] .
وَتَأَمَّلْ أَحْوَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ. فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا تَرَقَّوْا مِنَ الْقُرْبِ فِي مَقَامٍ: عَظُمَ جِهَادُهُمْ وَاجْتِهَادُهُمْ: لَا كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الطَّرِيقِ، حَيْثُ قَالَ: الْقُرْبُ الْحَقِيقِيُّ تَنَقُّلُ الْعَبْدِ مِنَ الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ. وَيُرِيحُ الْجَسَدَ وَالْجَوَارِحَ مِنْ كَدِّ الْعَمَلِ.
وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ كُفْرًا وَإِلْحَادًا. حَيْثُ عَطَّلُوا الْعُبُودِيَّةَ. وَظَنُّوا أَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْبَاطِلَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَمَانِيِّ النَّفْسِ، وَخِدَعِ الشَّيْطَانِ. وَكَأَنَّ قَائِلَهُمْ إِنَّمَا عَنَى نَفْسَهُ، وَذَوِي مَذْهَبِهِ بِقَوْلِهِ:
رَضُوا بِالْأَمَانِيِّ وَابْتَلُوا بِحُظُوظِهِمْ ... وَخَاضُوا بِحَارَ الْحُبِّ دَعْوَى فَمَا ابْتَلُّوا