قوله: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ} فيه أوجهٌ أحدُها: أنها منصوبةٌ ب"اتَّبِعوا"مضمراً قاله الحوفي ، وتبعه أبو البقاء . الثاني: أنها على الاختصاصِ أي: أعني بالدين ملةَ أبيكم . الثالث: أنها منصوبةٌ بما تقدَّمها ، كأنه قال: وَسَّع دينَكم تَوْسِعَةً ملَّةِ أبيكم ، ثم حُذِف المضافُ ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه . قاله الزمخشري . الرابع: أنه منصوبٌ ب"جَعَلها"مُقَدراً ، قاله ابن عطية . الخامس: أنها منصوبةٌ على حَذْف كافِ الجرِّ أي كملَّةِ إبراهيمَ ، قاله الفراء . وقال أبو البقاء قريباً منه . فإنه قال:"وقيل: تقديرُه: مثلَ ملةِ ؛ لأن المعنى: سَهَّل عليكم الدينَ مثلَ ملةِ أبيكم ، فَحُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه". وأَظْهَرُ هذه الثالثُ . و"إبراهيم"بدلٌ أو بيانٌ ، أو منصوبٌ بأَعْني .
قوله: {هُوَ سَمَّاكُمُ} في هذا الضميرِ قولان ، أحدهما: أنه عائدٌ على"إبراهيم"فإنه أقربُ مذكورٍ . إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ قال:"وفي هذه اللفظةِ يعني قولَه"وفي هذا"ضَعْفُ قَوْلِ مَنْ قال: الضمير لإِبراهيم . ولا يَتَوَجَّه إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ من الكلامِ مستأنفٍ"انتهى . ومعنى"ضَعْف قولِ مَنْ قال بذلك"أنَّ قوله"وفي هذا"عطفٌ على"مِنْ قبلُ"، و"هذا"إشارةٌ إلى القرآن المشارَ إليه إنما نزل بعد إبراهيم بمُدَدٍ طِوالٍ ؛ فلذلك ضَعُفَ قولُه . وقوله:"إلاَّ بتقديرِ محذوفٍ"الذي ينبغي أَنْ يقدَّرَ: وسُمِّيْتُم في هذا القرآن المسلمين . وقال أبو البقاء: " قيل الضميرُ لإِبراهيم ، فعلى هذا الوجهِ يكونُ قولُه"وفي هذا"أي: وفي هذا القرآن سببُ تسميتِهم " . والثاني: أنه عائدٌ على اللهِ تعالى ويَدُلُّ له قراءةُ أُبَيّ:"الله سَمَّاكم"بصريح الجلالةِ أي: سَمَّاكم في الكتبِ السالفةِ وفي هذا القرآنِ الكريمِ أيضاً .