وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ ؛ لأنه واجب على الإنسان ، كما روى حَيْوَة بن شُريح يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل"وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة"أن رجلاً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه ، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه ، ثم سأله عند جمرة العقبة ؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أين السائل؟"فقال أنا ذا ، فقال عليه السلام:"كلمةُ عَدْل عند سلطان جائر"."
قوله تعالى: {هُوَ اجتباكم} أي اختاركم للذبّ عن دينه والتزام أمره ؛ وهذا تأكيد للأمر بالمجاهدة ، أي وجب عليكم أن تجاهدوا لأن الله اختاركم له.
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ} فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {مِنْ حَرَجٍ} أي من ضِيق.
وقد تقدّم في"الأنعام".
وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ؛ وهي مما خص الله بها هذه الأمة.
روى معمر عن قتادة قال: أعطِيتْ هذه الأمة ثلاثاً لم يُعْطَها إلا نبيّ: كان يقال للنبيّ اذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدِّين من حرج} .
والنبيّ شهيد على أمته ، وقيل لهذه الأمة: {لتكونوا شُهَدَاءَ على الناس} .
ويقال للنبيّ: سلْ تُعْطَه ، وقيل لهذه الأمة: {ادعوني أستجِبْ لكم} .
الثانية: واختلف العلماء في هذا الحَرَج الذي رفعه الله تعالى ؛ فقال عكرمة: هو ما أحِلّ من النساء مَثْنَى وثلاثَ ورُباع ، وما ملكتْ يَمينك.
وقيل: المراد قصر الصلاة ، والإفطارُ للمسافِر ، وصلاةُ الإيماء لمن لا يقدر على غيره ، وحَطُّ الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعَدِيم الذي لا يجد ما ينفق في غَزْوه ، والغَرِيم ومن له والدان ، وحَطّ الإصْر الذي كان على بني إسرائيل.
وقد مضى تفصيل أكثر هذه الأشياء.