للعباد وإقامة للعالم، فهو تسخير من الله سخرها لعباده، وذلك في حق الله - جل
ذكره - عبادة منه لله تسبيح أو تحميد أو تكبير أو سجود أو توحيد، وجماع ذلك كله
صلاة أو زكاة أو حج أو صوم أو شهادة بالحق، وعلى ما كان الفعل ومنازله من
بداية الخضوع ونهاية ومخالفة الهوى في المكلفين، وفي الجماد والنبات لمخالفة
ما عليه جُبِل كما تقدم في إمساك السَّمَاوَات والأرض أن تقع أو تزول.
هذا هو الأصل في عبادة المخلوقات كلها فطرة وشرعًا، إلا ما كان من
الملائكة - عليهم السلام - فهم الذين ليست لهم إرادة تخالف رضا االله ورضاه
بهم وفيهم ولا طبع، بل هم المجبولون على ما يحبه منهم ويرضاه، وهذا هو الفرق
بين عبادة المكلفين وعبادة الملائكة، فالسَّمَاوَات والأرض لا تجد ألمًا لإمساكها
عما جبلت عليه، لكنها لو تركت إلى أنفسها لذهبت إلى ما جبلت عليه - بإذن الله
-والمكلف واجد صعوبة ذلك عليه وعسره، إلا أن يمن الله - جل ذكره - على من
يشاء منهم، فيزيل ذلك عنه أو بعضه، وعيش الملائكة ورضاهم ومحبوبهم في
طاعة الله وذكره وما قد خلقوا له.
ثم قد يرفع الله بعض عباده إلى أن يجعل محبته ورضاه في محبة ربه ورضاه،
فيكون عيشه وحياته في ذلك، وكدره ونكد عيشه وحياته فيما خالف ذلك،
فذلك الذي أحياه الله حياة طيبة، وذلك المجتبى المصطفى الموالي، جعلنا الله منهم
وألحقنا بهم، إنه ذو مَنٍّ كريم ورحمة واسعة.
قوله - جلَّ جلالُه -: ( [لِكُلِّ] أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ...(67) . قد تقدم قوله
-عز وجل -: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)
كما قال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فوجب أن
يكون المعني هنا بقوله: ( [لِكُلِّ] أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) كقوله
الحق: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) .
يقول - وهو أعلم بما ينزل: ما الذي أنكر هؤلاء مما جئتهم به، ولكل أمة من