ونحتاج في هذا إلى شرح، وهو أن نقول: معنى هذا القول: وحرام على قرية حكمنا عليها بالهلاك - لعلمنا بأنهم لا يرجعون عن كفرهم - أن قبل منهم طاعة أو نثيبهم على عمل. فنحتاج إلى تقدير لام في (أنهم) كما قدر أبو علي باء وإلى إضمار خبر المبتدأ كما أضمره هو. وذكر قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} احتجاجًا بأن قوله: {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} معناه: لا يرجعون من الشرك لحكم الله عليهم بذلك كما قال {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} الآية.
واحتج على أن الله لا يقبل عمل كافر بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:1] وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق معنى قول قتادة. هذا كله إذا جعلت (لا) في قوله: {لَا يَرْجِعُونَ} غير زائدة.
فإن جعلت (لا) زائدة، وهو قول ابن جريج، وأبي عبيد، وابن قتيبة، وكثير من أهل التفسير والمعاني، فالمعنى: حرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى الدنيا كما قال: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 50] ، و (أن) في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو حرام، و (لا) زائدة لزيادتها في مواضع ذكرناها أنها صلة فيها. ومعنى هذا القول كمعني القول الأول في هذه الآية.
وذكر على تقدير زيادة (لا) قول آخر، وهو: أن المعنى: وحرام على قرية حكمنا بهلاكها للشقاء الذي كتبنا عليها أن يرجعوا عن الشرك ويؤمنوا.
ومعنى حرام على الأقوال كلها - غير القول الأول - أنهم يمنعون عن ذلك كما يمنعون من الأشياء المحرمة في الشرع، وليس كحظر الشريعة الذي إن شاء المحظور عليه ركبه وإن شاء تركه، وكان الأمر فيه موقوفاً على اختياره.