يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانُوا يَعْبُدُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا. وَعَنَى بِالدُّعَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْعِبَادَةَ، كَمَا قَالَ: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {رَغَبًا} أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِيمَا يَرْجُونَ مِنْهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ.
{وَرَهَبًا}
يَعْنِي: رَهْبَةً مِنْهُمْ مِنْ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، بِتَرْكِهِمْ عِبَادَتَهُ , وَرُكُوبِهِمْ مَعْصِيَتَهُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} "خَوْفًا وَطَمَعًا. قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَارِقَ الْآخَرَ"
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: { «رَغَبًا وَرَهَبًا» } بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْهَاءِ , مِنَ الرَّغَبِ وَالرَّهَبِ.
وَاخْتُلِفَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْمُوَافَقَةُ فِي ذَلِكَ لِلْقُرَّاءِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَهَا: (رُغْبًا وَرُهْبًا) بِضَمِّ الرَّاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ , وَتَسْكِينِ الْغَيْنِ وَالْهَاءِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ الْفَتْحُ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
يَقُولُ: وَكَانُوا لَنَا مُتَوَاضِعِينَ مُتَذَلِّلِينَ، وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِنَا وَدُعَائِنَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرِ الَّتِي أَحْصَنْتَ فَرْجَهَا، يَعْنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {أَحْصَنَتْ} حَفِظَتْ، وَمَنَعَتْ فَرْجَهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا إِبَاحَتَهُ فِيهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْجِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا أَحْصَنَتْهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ فَرْجَ نَفْسِهَا , أَنَّهَا حَفِظَتْهُ مِنَ الْفَاحِشَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ جَيْبَ دِرْعِهَا أَنَّهَا مَنَعَتْ جِبْرَائِيلُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّهَا , وَقَبْلَ أَنْ تُثْبِتَهُ مَعْرِفَةً.