ونجد هذا فِي الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - فأصحاب الرسالات الكبرى منهم ، هم الذين ابتلوا بالبأساء والضراء .. وعلى قدر ابتلائهم كانت منزلتهم عند ربهم.
إبراهيم عليه السلام ، ابتلى بإلقائه فِي النار .. وبالأمر يذبح ولده إسماعيل بيده ، فكان خليل الرحمن وأبا الأنبياء ..
وموسى عليه السلام ، ابتلى من أول حياته ، بإلقائه فِي اليم رضيعا ، ثم بقتله المصريّ ، وطلب فرعون له ، وفراره إلى مدين .. ثم بلقاء فرعون ، ومواجهته بالدعوة إلى الإيمان باللّه .. ثم كان ابتلاؤه الأكبر فِي حياته بين بني إسرائيل ، وفى خلافهم عليه ، وشرودهم منه .. فكان كليم اللّه.
وعيسى - عليه السلام - نشأ فِي حجر الابتلاء ... تنعقد حوله ، وحول أمه التهم والظنون ، حتى إذا ظهر فِي اليهود ، كان بينه وبينهم هذا الصراع الطويل المرير ، حتى لفّقوا له التهم ، وقدموه للحاكم الرومانى ، وطلبوا إليه أن يحكم عليه بالصلب ، حسب شريعتهم ، ولم يسترح لهم بال حتى حكم لهم بصلبه ، وحتى شبّه لهم أنهم صلبوه .. وكان كلمة اللّه.
ومحمد - صلوات اللّه وسلامه عليه - قد لقى من قومه ألوان المساءة فِي كل لحظة من لحظات تلك السنوات الثلاث عشرة التي قضاها فِي مكة قبل الهجرة .. فلما هاجر كانت حياته قسما مشاعا بين الدعوة إلى اللّه ، والجهاد فِي سبيل اللّه .. يقوم ليله ، ويصوم نهاره .. وما شبع من طعام قط ، ولا نام إلا على حشية من ليف .. وهو الذي كان يستطيع - لو أراد - أن يأكل فِي صحاف من ذهب ، وأن ينام على فراش من حرير .. فكان خاتم الأنبياء وصفوة الخلق ..
وهكذا نجد الابتلاء بالضراء أرجح كفة من الابتلاء بالسراء ، فِي ميزان الصياغة لمعادن الرجال ، وصبّهم فِي قوالب الكمال والإحسان .. ولهذا كان أولو العزم من الرسل ، هم الذين ابتلوا وامتحنوا أشق امتحان ، وأثقل ابتلاء ..