وثانيا: لا شك أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يعفى أولياءه من البلاء وأن يجعل ابتلاءهم بالسراء لا بالضراء ، وأن يجعلهم طبيعة قائمة على الحمد والشكر ، وفطرة مفطورة على الاحتمال والصبر.
ولكن هذا وإن كان مما يفعله اللّه ببعض عباده وأحبابه ، كما كان ذلك لسليمان - فإن هناك درجة فوق تلك الدرجة ، وهي درجة الابتلاء بالضراء ، حيث يجد الإنسان نفسه وكأنه فِي صراع ضار مع الحياة وخطوبها ، وحيث يرى نفسه وكأنه جبل راسخ شامخ تتحطم على صخوره الصلدة ، الأمواج الصاخبة ، وتتكسر تحت أقدامه القويّة ، العواصف العاتية .. وحيث يرى آخر الأمر وقد انتهى هذا الصراع ، وانجلى غبار المعركة ، وإذا به وبين يديه راية النصر ، وعلى جبينه تاج الفوز والظفر! لقد كسب المعركة بهذا الجهد الذاتي ، وبهذا الثمن الغالي الذي قدمه من ذات نفسه ، عرقا متصببا وأرقا متصلا ، وعملا دائبا ..
وهذا ما يجعل للنصر هذا الطعم الحلو ، الذي لا يعرف مذاقه إلا من ابتلى وصبر ، وجاهد وبذل ، وحرم نفسه النوم فِي ظل الراحة والرفاهة ، وبات ليله ساهرا ، ونهاره عاملا ..
وإنه لفرق كبير بين من يجد بين يديه طعاما طيبا حاضرا عتيدا ، لم يبذل فيه جهدا ، ولم يتكلّف له عملا ، وبين من فرغت يده من كل شيء ، فيجدّ ويعمل فِي غير وناء أو فتور ، وهو على ما به من حرمان ومسغبة ، حتى إذا اجتمع له من سعيه ما يهيء به لنفسه طعاما ، كانت عنده كل لقمة من هذا الطعام ، أشهى وأطيب من تلك المائدة الحافلة بطيب الطعام والمثل لهذا ، ما نجد فِي حياة الوارث الذي يعيش على ما ورث ، وبين العامل الذي يعيش من عرقه وكدحه وجهده ..! فحياة الوارث حياة رتيبة مملة ثقيلة ، ذات لون واحد ، لا يتبدل ، بينما حياة العامل خصبة مليئة بالحياة والحركة ، وتغاير الطعوم والألوان.