وثالثا: الابتلاء بالشرّ ليس ضربة لازب لأولياء اللّه وأحبابه وأصفيائه ، ولكنه الشأن الغالب عليهم ، لأن ذلك أشكل بطبيعتهم ، وأقرب إلى نفوسهم ، لأنهم كلما ازدادوا من اللّه قربا انكشف لهم أمر الدنيا ، ومتاعها الغرور ، فنظروا إليها نظرة استخفاف واستصغار ، لكل ما فيها ومن فيها ، ثم إذا هم رأوا تكالب الناس وتزاحمهم على مواردها ، زادهم ذلك إحقارا لها ، وبعدا عنها.
فهذا الذي نرى فيه أولياء اللّه وأصفياءه ، من فاقة ، وضرّ ، وحرمان ، ونعدّه بلاء أو ابتلاء ، هو - فِي الواقع - مطلب لتلك النفوس العظيمة ، ورغبة محببة لهذه القمم العالية من عباد اللّه ..
إنهم يزهدون فيما تطلبه النفوس ، راضين .. وإنهم ليجدون فِي الحرمان ، من الغبطة والرضا ، ما لا يجده الواجدون من متع الحياة ومسراتها ..
وهكذا تطلب كل نفس غذاءها الذي يهنئوها ، ويطيب لها .. وشتان بين الكلاب والأسود .. حيث تتقاتل الكلاب على الجيف ، على حين تموت الأسود جوعا ولا تدنو منها ..
رابعا - يبتلى المحسنون والصالحون من عباد اللّه بما يبتلون به ، وهم على وعد من اللّه سبحانه وتعالى ، بأن وراء الضيق فرجا ، وبأن مع العسر يسرا ..
وأنهم إن صبروا اليوم على الضرّ والأذى ، فإنهم لعلى موعد بلقاء غد ينجلى فيه الكرب ، وتنقشع غمامات الضر .. « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ » (155 - 157: البقرة) ..