قال بعض العلماء: «والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته في ربه، ورجائه في رحمته .. فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان.
إن الابتلاء بالخير أشد وطأة. فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير.
كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة.
كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل. وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع.
كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة، ولا يصابون بالحرص الذي يذل أعناق الرجال.
إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء، ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب لاستقبال الشدة ..
أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة .. إلا من عصم الله، وصدق رسوله الله صلّى الله عليه وسلّم حيث يقول: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.
وقوله - سبحانه -: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من السفاهات التي كان المشركون يقابلون بها النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً.
أي: وإذا أبصرك المشركون - أيها الرسول الكريم - سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي: أهذا هو مدعى النبوة الذي يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا، وأنها تقربنا إلى الله زلفى.
وقوله - سبحانه -: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ في محل نصب حال من ضمير القول المقدر.