وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن المراد بالإنسان آدم، وأنه حين بلغت الروح صدره أراد أن يقوم؛ أي: استعجل بالقيام قبل أن يبلغ الروح أسفله، فسقط فقيل: خلق الإنسان من عجل. والمعنى؛ أي: إنه تعالى فطر هذا النوع على العجلة، وجعلها من سَجِيَّته وجِبِلَّتِه، فليس بعجيب من المشركين أن يستعجلوا عذاب الله، ونزول نقمته بهم، وقد كان من الحق عليهم أن يتريّثوا قليلًا، فإن الله تعالى سينزل بهم من سخطه مثل ما أنزل بالمكذبين قبلهم، ويحل بهم من العذاب ما لا قبل لهم بدفعه، وهذا ما أشار إليه بقوله: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} ؛ أي: نقماتي منكم بعذاب النار؛ أي: سأريكم عذابي {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} في طلبه؛ أي: فلا تستعجلوني في الإتيان به، بطريق إيذاء نبي، والاستهزاء به، فإنه نازل بكم لا محالة، والمعنى؛ أي: إن نقمتي ستصيبكم لا محالة، فلا تستعجلوا عذابي، واصبروا حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد، وقد نهى الإنسان عن العجلة مع أنها ركبت في طبيعته من قبل أنه أوتي المقدرة التي يستطيع بها تركها وكف النفس عنها،
38 -ثم حكى عنهم ما يستعجلون فقال: {وَيَقُولُونَ} بطريق الاستعجال والاستهزاء {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} ؛ أي: وعد العذاب والساعة فليأتنا بسرعة {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في وعدكم بأنه يأتينا، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين الذين يتلون الآيات المنبئة عن مجيء الوعد.
أي: ويقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن معه من المؤمنين، الذين يتلون الآيات المنبئة بقرب الساعة، ونزول العذاب بمن كفر بها استهزاءً: متى يجيئنا هذا العذاب الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم. وهذا استبطاء منهم للموعود به، يراد به إنكار وقوعه، وأنه لن يكون ألبتة، وفي ذمِّ العجل قيل:
لاَ تَعْجَلَنَّ لأمْرٍ أَنْتَ طَالِبُهُ ... فَقَلَّمَا يُدْرِكُ الْمَطْلُوْبَ ذُوْ الْعَجَلِ
فَذُوْ التَّأَنِّي مُصِيِبٌ فِي مَقَاصِدِهِ ... وَذُوْ التَّعَجُّلِ لاَ يَخْلُوْ عَنِ الزَّلَلِ