36 - {وَإِذَا رَآكَ} يا محمد هؤلاء {الَّذِينَ كَفَرُوا} وأشركوا بالله تعالى، يعني المستهزئين منهم، كأبي جهل وأضرابه أو صناديد قريش {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} ؛ أي: ما يتخذونك إلّا مهزوءًا بك. والهزء مزح في خفية؛ أي: لا يفعلون بك إلّا اتخاذك مهزوءًا بك. والمراد: قصر معاملتهم معه على اتخاذهم إياه هزؤاً، لا قصر اتخاذهم على كونه هزوًا كما هو المتبادر، حالة كونهم يقولون في حال الهزء {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} بسوء ويسبها. وإنما أطلقه لدلالة الحال عليه، فإن ذكر العدوّ لا يكون إلّا بسوء؛ أي: يقبل بعضهم لبعض فيما بينهم: أهذا الرجل هو الذي يسبُّ ويعيِّب آلهتكم وأصنامكم؛ أي: يبطل كونها معبودة، ويقبح عبادتها. يقال فلان يذكر الناس؛ أي: يغتابهم ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله؛ أي: يصفه بالتعظيم ويثني عليه. وجملة قوله: {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} حال من فاعل {يَتَّخِذُونَكَ} ، والضمير الأول مبتدأ، خبره {كَافِرُونَ} . والثاني: تأكيد لفظي له. و {بِذِكْرِ} متعلق بالخبر، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: يعيبون أو يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم كافرون بأن يذكروا الرحمن المنعم عليهم بما يجب أو يذكر به، أو الوحدانية، فهم أحقاء بالعيب والإنكار، ومعنى الآية؛ أي: وإذا رآك المشركون لم يكن لهم عمل إلَّا أن يجعلوك موضع السخرية والهزوء، وقد كان من حقهم أن يفكروا ملياً فيما يشاهدون من أخلاقك وآدابك، وفيما ينزل عليك أو الوحي، الذي فيه عظة وذكرى لقوم يعقلون، لعل بصائرهم تستنير، وطباعهم ترقّ، وقلوبهم ترعوي عن غيها، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} .
ويقولون استنكارًا وتعجبًا: أهذا الذي يسبّ آلهتكم، ويسفّه أحلامكم، وكيف يعجبون من ذلك، وهم كافرون بالله، الذي خلقهم وأنعم عليهم، وبيده نفعهم وضرهم، وإليه مرجعهم.
وخلاصة ذلك: كيف يعجبون من ذكر آلهتهم بالسوء، وهم قد كفروا بربهم الذي برأهم وصوّرهم، فأحسن صورهم، وإليه مرجعهم، فيحاسبهم على النقير والقطمير.