{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ؛ أي: ونختبركم أيها الناس، بالمضارّ الدنيوية، أو الفقر والآلام وسائر الشدائد، وبنعم الدنيا، أو الصحة واللذة والسرور والتمكين، من حصول ما تريدون لنرى أتصبرون في المحن، وتشكرون في المنح، فيزداد ثوابكم عند ربكم، إذا قمت بأداء ذلك، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين، ومن ثم قال عمر - رضي الله عنه -: بُلينا بالضرّاء فصبرنا، وبلينا بالسرّاء فلم نصبر. وقال علي - كرّم الله وجهه -: مَن وسع عليه دنياه، فلم يعلم أنه قد مكر به .. فهو مخدوع عن عقله. وقوله: {فِتْنَةً} مصدر مؤكد لـ {نَبْلُوكُمْ} أو غير لفظه؛ في: نبلوكم بلاءً واختبارًا.
وخلاصة ذلك: أنَّا نعاملكم معاملة من يختبركم، ونفتنكم كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، لنرى أتصبرون في الشدائد، وتشكرون بين الرَّخاء {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لا إلى غيرنا، لا استقلالًا، ولا اشتراكًا؛
أي: إلى حكمنا ترجعون بعد الميت، فنجازيكم وفق ما يظهر من أعمالهم، ولا يخفى ما في هذا من الوعد والوعيد، وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب، واعلم أن المجازاة لا تسعها دار التكليف، فلا بد من دار أخرى، لا يصار إليها إلّا بالموت والنشور، فلا بد لكل نفس من أن تموت، ثم تبعث.
قال بعضهم: فائدة حالة المفارقة رفع الخبائث التي حصلت للروح بصحبة الأجسام، وفائدة حالة الإعادة حصول التنعمات الأخروية، التي أعدت لعباد الله الصالحين، ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقرأ الجمهور: {تُرْجَعُونَ} بتاء الخطاب مبنيًا للمفعول. وقرأت فرقة: بضم الياء للغيبة. مبنيًا للمفعول، على سبيل الالتفات. وقرأت فرقة، منهم ابن عامر، بالتاء مفتوحة مبنيًا للفاعل.