والمعنى: أي وما كتب لأحد من قبلك البقاء في الدنيا، حتى نبقيك فيها، بل قدّر لك أن تموت، كما مات رسلنا من قبلك، أفهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون بعدك، لا ليس الأمر كذلك، بل هم ميتون، عشت أو مت. أخرج البيهقي وغيره، عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد مات فقبَّله، وقال: وانبيَّاهُ، واخليلاه، واصفيَّاه، ثم تلا {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...} الآية.
35 -ثم أكّد ما سلف، وبيّن أن أحدًا لا يبقى في هذه الدنيا، فقال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ؛ أي: كل نفس منفوسة من خلقه، ذائقة مرارة الموت ومتجرعة كأسه، وشدة مفارقة الروح للبدن، وقد جاء في الحديث:"إن للموت لسكرات"، فلا يفرحنّ أحد لموت أحد، ولا يظهرن التشفي منه، كما لا ينبغي أن تبدوا عليه علامات الجزع والحسرة لموت أحد.
وهذا برهان على ما أنكر من خلودهم، والمراد: النفس الناطقة، التي هي الروح الإنساني، وموتها عبارة عن مفارقتها جسدها؛ أي: ذائقة مرارة المفارقة، والذوق هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأن الموت ليس من المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إدارك خاص، فيجوز جعله مجازًا عن أصل الإدراك، والموت: صفة وجودية خلقت ضدًّا للحياة، أو هو عبارة عن زوال القوة الحيوانية، وإبانة النووي عن الجسد.
وفي"التعريفات": النفس: هي الجوهر البخاري اللطيف، الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية. وسماه الحكيم: الروح الحيواني، فهي جوهر مشرق للبدن، فعند الميت ينقطع ضوؤه عز ظاهر البدن وباطنه، والنوم والميت أو جنس واحد؛ لأن الميت هو الانقطاع الكلي، والنوم هو الانقطاع الناقص.
والحاصل: أنه إن لم ينقطع ضوء جوهر النفس، عن ظاهر البدن وباطنه .. فهو اليقظة، وان انقطع عن ظاهره دون باطنه .. فهو النوم، أو بالكلية .. فهو الموت.
وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} فإن الله سبحانه وتعالى حيّ دائم لا يموت، لا يجوز عليه الموت، كما أشرنا إلى هذا التخصيص أولًا بقولنا: منفوسة من خلقه. والذوق هنا: عبارة عن مقدمات الموت، وآلامه العظيمة قبل حلوله.