وفي هذه الجملةِ قولان ، أحدُهما: أنَّه في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ فاعلِ القولِ المقدَّرِ أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالةِ . والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعلِ"يَتَّخِذونك"، وإليه نحا الزمخشريُّ ، فإنه قال:"والجملةُ في موضعِ الحالِ أي: يَتَّخِذُونك هُزُواً وهم على حالٍ هي أصلُ الهزْءِ والسخريةِ ، وهي الكفرُ باللهِ".
خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
قوله: {مِنْ عَجَلٍ} : فيه قولان ، أحدهما: أنه من بابِ القلبِ . والأصلُ: خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ لشدةِ صدورِه منه وملازَمتِه له . وإلى هذا ذهب أبو عمروِ . وقد يتأيَّد هذا بقراءةِ عبدِ الله"خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ"والقلبُ موجودٌ . قال الشاعر:
3340 حَسَرْتُ كَفِّيْ عن السِّربالِ آخُذُه ... ... ... ... ... ... ... ...
يريد: حسرت السِّرْبالَ عن كفي . ومثلُه في الكلامِ:"إذا طَلَعَت الشِّعْرى استوى العُوْدُ على الحِرْباء"وقالوا: عَرَضْتُ الناقةَ على الحَوْضِ . وقد قَدَّمْتُ منه أمثلةً غيرَ هذه . إلاَّ أن بعضَهم يَخُصُّه بالضرورةِ ، وقد قَدَّمْتُ فيه مذاهبَ ثلاثةً .
والثاني: أنه لا قلبَ فيه وفيه تأويلاتٌ ، أحسنُها: أن ذلك على المبالغةِ ، جَعَلَ ذاتَ الإِنسانِ كأنها خُلِقَتْ من نفسِ العَجَلة ، دلالةً على شدةِ اتصاف الإِنسانِ بها ، وأنها مادتُه التي أُخِذ منها . ومثلُه في المبالغة من جانب النفي قولُه عليه السلام:"لستُ من الدَّدِ ، ولا الدَّدُ مني"والدَّدُ: اللِّعِبُ . وفيه لغاتٌ:"دَدٌ"محذوفُ اللامِ و"ددا"مَقْصوراً ك"عصا"و"دَدَن"بالنون . وألفه في إحدى لغاتِه مجهولةُ الأصل لا ندري: أهي عن ياءٍ أو واوٍ؟ .
وقيل: العَجَلُ: الطين بلغة حمير ، أنشد أبو عبيدة على ذلك لشاعرٍ منهم: