أَحَدُهُمَا: تَقَلُّبٌ فِي تِجَارَةٍ. وَالثَّانِي: تَصَرُّفٌ فِي صِنَاعَةٍ.
وَهَذَانِ هُمَا فَرْعٌ لِوَجْهَيْ الْمَادَّةِ، فَصَارَتْ أَسْبَابُ الْمَوَادِّ الْمَأْلُوفَةِ، وَجِهَاتُ الْمَكَاسِبِ الْمَعْرُوفَةِ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: نَمَاءُ زِرَاعَةٍ، وَنِتَاجُ حَيَوَانٍ، وَرِبْحُ تِجَارَةٍ، وَكَسْبُ صِنَاعَةٍ. وَحَكَى الْحَسَنُ بْنُ رَجَاءٍ
مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ الْمَأْمُونِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَايِشُ النَّاسِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: زِرَاعَةٌ وَصِنَاعَةٌ وَتِجَارَةٌ وَإِمَارَةٌ. فَمَنْ خَرَجَ عَنْهَا كَانَ كَلًّا عَلَيْهَا.
وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَتْ أَسْبَابُ الْمَوَادِّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَسَنَصِفُ حَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِقَوْلٍ مُوجَزٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ مِنْ أَسْبَابِهَا وَهِيَ الزِّرَاعَةُ: فَهِيَ مَادَّةُ أَهْلِ الْحَضَرِ وَسُكَّانِ الْأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ، وَالِاسْتِمْدَادُ بِهَا أَعَمُّ نَفْعًا، وَأَوْفَى فَرْعًا. وَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمَثَلَ فَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] .
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ سَاهِرَةٌ لِعَيْنٍ نَائِمَةٍ» .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نِعْمَتْ لَكُمْ النَّخْلَةُ تَشْرَبُ مِنْ عَيْنٍ خَرَّارَةٍ وَتُغْرَسُ فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ» .
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «النَّخْلُ: هِيَ الرَّاسِخَاتُ فِي الْوَحْلِ الْمَطْعِمَاتُ فِي الْمَحَلِّ» .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ تَسْهَرُ إذَا نِمْتَ، وَتَشْهَدُ إذَا غِبْتَ، وَتَكُونُ عُقْبًا إذَا مِتَّ. وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» . يَعْنِي الزَّرْعَ.