وله في كل شيء خلقة... وكذاك الله ما شاء فعل
يعني بالخلقة: الصورة ، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير {ثُمَّ هدى} كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه.
وقال بعض أهل العلم {أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} : أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به ، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار ، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها ، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روي عن الضحاك. وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى {كُلَّ شَيءٍ} هو المفعول الأول ل « أَعْطَى » ، و « خلقه » هو المفعول الثاني.
وقال بعض أهل العلم: إن « خلقه » هو المفعول الأول ، و « كل شيء » هو المفعول الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى: أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه ، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ومنه « أَعْطضى » في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن أمن اللبس ، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل كما هو معلوم في علم النحو. وأشار له في الخلاصة بقوله:
ويلزم الأصل لموجب عسرا... وترك ذاك الأصل حتما قد يرى
قال مقيده عفا الله عنه: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة. لأنه لا شكّ أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا ، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به. ولا شكّ أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له ، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع. وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعلا؟ ما أعظم شأنه وأكمل قدرته؟!